الملا فتح الله الكاشاني

83

زبدة التفاسير

فأمرت رعاياها بالدخول إلى مساكنهم . ثمّ ثبّت سبب الدخول بقولها : * ( لا يَحْطِمَنَّكُمْ ) * لا يكسرنّكم * ( سُلَيْمانُ وجُنُودُه ) * ظاهره نهي لهم عن الحطم ، والمراد نهيها عن التوقّف بحيث يحطمونها ، كقولهم : لا أرينّك هاهنا . فهو استئناف مبيّن للأمر ، أو بدل منه لا جواب له ، فإنّ النون لا تدخله في السعة . * ( وهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) * بأنّهم يحطمونكم ، إذ لو شعروا لم يفعلوا . وقيل : استئناف ، أي : فهم سليمان والقوم لا يشعرون . وقال في المجمع : « وهذا يدلّ على أنّ سليمان وجنوده كانوا ركبانا ومشاة على الأرض ، ولم تحملهم الريح ، لأنّ الريح لو حملتهم بين السماء والأرض ، لما خافت النمل أن يطأها بأرجلهم . ولعلّ هذه القصّة كانت قبل تسخير اللَّه الريح لسليمان عليه السّلام » « 1 » . وقال في الكشّاف : « وروي أنّ النملة أحسّت بصوت الجنود ولا تعلم أنّهم في الهواء ، فأمر سليمان الريح فوقفت بجنوده حتّى دخل النمل مساكنه » « 2 » . انتهى كلامه . إن قيل : كيف عرفت النملة سليمان وجنوده حتّى قالت ما قالت ؟ قلنا : إذا كانت مأمورة بطاعته ، فلا بدّ أن يخلق لها من الفهم ما تعرف به أمور طاعته . ولا يمتنع أن يكون لها من الفهم ما يستدرك به ذلك . وقد علمنا أنّه تشقّ ما تجمع من الحبوب بنصفين ، مخافة أن يصيبها الندى فتنبت . وتكسر الكزبرة أربع قطع ، لعلمها أنّ الكزبرة إذا شقّت بنصفين تنبت . فمن هداها إلى هذا فإنّه يهديها إلى تمييز ما يحطمها ممّا لا يحطمها . وروي : أنّ الريح ألقت في سمع سليمان هذه المقالة من ثلاثة أميال .

--> ( 1 ) مجمع البيان 7 : 215 . ( 2 ) الكشّاف 3 : 358 .